محمد بن جرير الطبري
357
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
" يَخطفُ أبصَارهم " ، يعني : يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه . 469 - كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عُمارة ، عن أبي رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : " يكاد البرقُ يخطف أبصارهم " ، قال : يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل ( 1 ) . قال أبو جعفر : والخطف السلب ، ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة ، يعني بها النُّهبة ( 2 ) . ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف ، لاختطافه واستلابه ما عَلق به ، ومنه قول نابغة بني ذُبيان : خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ متينةٍ . . . تَمُدُّ بها أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ ( 3 )
--> ( 1 ) الخبر 469 - لم أجده . والتمع البصر أو غيره : اختلسه واختطفه وذهب به . ومنه الحديث : " إذا كان أحدكم في الصلاة ، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره " ، أي يختلس . ( 2 ) الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة : ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية ، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت ، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها . قال : والخطفة المرة الواحدة من الخطف ، فسمى بها العضو المختطف ، وأما النهبة والنهبى ، فاسم لما ينهب ، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود 3 : 88 " فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها ، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النهبى " . وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد ، وأصابوا غنما فانتهبوها ، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه ، فأكفأ قدورنا بقوسه ، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : إن النهبة ليست بأحل من الميتة " . ( 3 ) ديوانه : 41 ، وقبله البيت المشهور : فَإِنَّكَ كَالليلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي . . . وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ خطاطيف : جمع خطاف . وحجن : جمع أحجن ، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة . وقال " تمد بها " ولم يقل : تمدها ، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف ، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف ، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب ( انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص 360 س : 6 - 9 ) وقوله " إليك " متعلق بقوله " نوازع " . ونوازع جمع نازع ونازعة ، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها : جذبها وأخرجها . أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك ، وترده عليك . والبيت متصل بالذي قبله ، وبيان لقوله " فإنك كالليل الذي هو مدركى " ، أراد تهويل الليل وما يرى فيه ، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها .